ابن أبي الحديد

89

شرح نهج البلاغة

جبريل وميكائيل ، وجنود الملائكة المقربين ، في حجرات القدس مرجحنين ، متولهة عقولهم أن يحدوا أحسن الخالقين ، وإنما يدرك بالصفات ذوو الهيئات والأدوات ، ومن ينقضي إذا بلغ أمد حده بالفناء ، فلا إله إلا هو أضاء بنوره كل ظلام ، وأظلم بظلمته كل نور . * * * الشرح : ليس يعنى بالكائن هاهنا ما يعنيه الحكماء والمتكلمون ، بل مراده الموجود ، أي هو الموجود قبل أن يكون الكرسي والعرش وغيرهما ، والأوائل يزعمون أن فوق السماوات السبع سماء ثامنة ، وسماء تاسعة ، ويقولون : إن الثامنة هي الكرسي ، وإن التاسعة هي العرش . قوله عليه السلام : ( لا يدرك بوهم ) ، الوهم هاهنا ( 1 ) : الفكرة والتوهم . ولا يقدر بفهم ، أي لا تستطيع الافهام أن تقدره وتحده . ولا يشغله سائل كما يشغل السؤال منا من يسألونه . ولا ينقصه العطاء ، كما ينقص العطاء خزائن الملوك . ولا يبصر بجارحة ، ولا يحد بأين ، ولفظة أين في الأصل مبنية على الفتح ، فإذا نكرتها صارت اسما متمكنا ، كما قال الشاعر : ليت شعري وأين منى ليت * إن ( ليتا ) وإن ( لوا ) عناء . وإن شئت قلت : إنه تكلم بالاصطلاح الحكمي والأين عندهم ، حصول الجسم في المكان ، وهو أحد المقولات العشر .

--> ( 1 ) ساقطه من ب .